الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

113

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

أجل معذور من ينكر عليهم ، لأنه لم يذق ما ذاقوا ، فلو ذاق لعرف وينبغي ألا يغيب عنه أن تلك الإشارات بمثابة اصطلاح يفهمه أهل التحقيق ولا يجدر أن يعارضهم في اصطلاحهم اصطلاح جماعة أخرى ما دام لكلٍ اصطلاحه . فالحق أن كلام الله : نور يرسل إلى القلوب وهي أوعية يتلون ذلك النور بلونها . . . وكلٌ يرسل بتفسيره شعاعاً حسب استعداده وقابليته وما استودع فيه . على أن أهل التحقيق لا يدّعون أنه محال على غيرهم ما يفاض به عليهم ، ولكنهم يعتقدون أن كل إنسان لديه الاستعداد لما عندهم غير أنهم فتحوا عيون قلوبهم ، فاطلعوا على ما اطلعوا من أسرار ، وغيرهم فتحوا نوافذ تفكيرهم فوقعوا في الحيرة والوهم ، وقاسوا بعقولهم مذاقات تلك القلوب فأنكروها ، ولو أنهم فتحوا عيون قلوبهم كأهل الله لكان أمراً عادياً ما استغربوه بل لاعتقدوا اعتقاداً جازماً ما أنكروه . فليعي كل ذي لب قدر هؤلاء الصفوة من أهل التحقيق ، وليدرك أنهم ملهمون إن نطقوا ، فلا ينطقون بأنفسهم وإن أشاروا فمحرك الإشارة فيهم مولاهم . وارجع إلى الصدر الأول من عصر المسلمين الزاهر تجد أن من أئمة هؤلاء الملهمين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي قال فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن من أمتي مكلمين ومحدثين وإن عمر منهم « 1 » . ومنهم الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجه الذي أشار إلى صدره بعد أن تأوه مرتين ثم قال : ( إن ها هنا علوماً جمة لو وجدت لها حملة ! ! ! ) . ويروى عنه أنه قال : ( لو شئت لأوقرت من تفسير الفاتحة سبعين بعيراً ) أولئك هم علماء الله بحق ، الذين عناهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله : إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله عز وجل « 2 » . ذلك نزر يسير مما عليه أهل الإشارات من مكانة ، وقدر ضئيل مما شرفهم الله به من من - زلة ، ونستطيع بعد ذلك أن نعرض من مميزات وخصائص علم الإشارة ما يأتي :

--> ( 1 ) - ورد في تأويل مختلف الحديث ج 1 ص 162 بصيغة : إن لكل أمة محدثين أو مروعين ، فإن يكن في هذه الأمة أحد منهم فهو عمر . ( 2 ) - الترغيب والترهيب ج : 1 ص : 58 .